.
• وقبل شهر ونصف من وفاته رضي الله عنه قلع رضي الله عنه جميع أسنانه عند طبيب الأسنان.
• حدثنا الحاج عمر ططري(2) رحمه الله قال: قال لنا رضي الله عنه قبل وفاته بأيام هل بقي شيء ما بينته لكم؟ يوم السبت 24/ آب يوم الأحد 25/ آب يوم 25 يوم 25!! ولم يفهم أحد منا مقصده، حتى كان يوما الوفاة والتشييع.
• حدثنا خادمه الحاج مصطفى سروجي رحمه الله قال: في آخر خميس سبق الوفاة استأذنته رضي الله عنه كعادتي كل أسبوع بدخول الحمام معه رضي الله عنه فرفض، وقال لي: أنا راضٍ عليك يا مصطفى، ولكن لا حمام بعد الآن.
• وفي الخميس نفسه دعا ربه عزّ وجلّ قائلاً: يا رب خذني إليك.
• حدثنا الشيخ عادل سعود العاني(3) من الفلوجة بالعراق قائلاً: سافرت إلى حلب سنة 1974م ووصلت إلى الكلتاوية في الساعة العاشرة ليلاً من يوم الأربعاء الموافق 21/ آب وأول ما التقيت هناك بالحاج مصطفى سروجي رحمه الله، فحدثني قائلاً: إن سيّدنا حفظه الله قد اجتمع عصر اليوم بكثير من إخواننا في ساحة المسجد، وتكلّم معهم كلاماً طويلاً، وفجأةً شعر حفظه الله بوجع شديد في رأسه، فطلب إحضار عقار مسكن، ثمّ ذهب إلى البيت(4).
وفي اليوم التالي الخميس 22/ آب نقل سيّدنا رضي الله عنه إلى المستشفى على إثر إصابته بنـزيف دموي شديد ولم يكن في جيبه إلاّ خمس عشرة ليرة سورية استلمها منه حفيده السيّد بشار.! وفي اليوم التالي اتصل رضي الله عنه تلفونياً من المستشفى طالباً مقابلة العراقيين، وكنا ثمانية أشخاص، فذهبنا بصحبة أحد إخواننا الحلبيين، ولدى وصولنا سمعنا صوته رضي الله عنه وباللهجة الحلبية : (بدّي(5) العراقيين)!
فدخلنا عليه رضي الله عنه وحداناً، وأنا آخر من دخل، ثمّ خرجنا إلى مسجد مجاور لأداء صلاة المغرب، ومن بعدها إلى الكلتاوية.
وفي الساعة السادسة وست دقائق مع غياب الشمس يوم السبت السادس من شعبان/1394هـ الموافق للرابع والعشرين من آب/1974م ، فاضت روح السيّد النّبهان رضي الله عنه إلى بارئها.
وسرعان ما ذاع الخبر و فوجئ أهل حلب بالحادث الجلل فضجت المآذن والبيوت والشوارع.. أما أهل الكلتاوية فمنهم من ألجمته المفاجأة! ومنهم من تفجر بالبكاء والعويل! ومنهم من سقط مغشياً عليه! و قبيل منتصف الليل بدأت أصوات المعاول تسمع من داخل الغرفة التي تقرر أن يكون مرقده رضي الله عنه فيها فهرب كل من رأى ذلك، ولم يبق في المسجد إلاّ نفر قليل.
وبعد منتصف الليل تشرف بتغسيله الشيخ عمر الملا حفجي، والشيخ بشير حداد رحمه الله.
ثمّ نقل رضي الله عنه إلى المسجد عند المحراب، وسمح لي بالدخول إلى الحرم، فاقتربت منه رضي الله عنه من جهة قدميه الشريفتين، فحصل شيء لم يكن بالحسبان، لقد فتح رضي الله عنه عينيه، وتبسم قليلاً حتى بدت نواجذه! ففقدت صوابي وكدت أصرخ ولكنني تمالكت نفسي.
وفي صباح اليوم التالي الأحد سجّي سيّدنا رضي الله عنه في غرفة الاستقبال مكشوف الوجه، وقبضته اليمنى وإصبعه كما هي في تشهد الصلاة، وإشراقة النور لم تفارق وجهه الشريف.
لكن أمرين حيّرا الناس:
أحدهما : أن الأطباء يقولون إنّه فارق الحياة ونـزف الدم من أنفه لم ينقطع!
والثاني : أنّه شوهد مرات عديدة يفتح عينيه ويبتسم.
ثمّ إنني دخلت الغرفة مع الناس لإلقاء نظرات أخيرة، وحين خرجت منها وقفت عند شباكها مع نفر من الحلبيين، فقدم فلاّح حلبي يسأل : صحيح أن سيّدنا انتقل؟.
فقالوا له : انظر، وفسحوا له، فألقى نظرة من الشباك فصعق ووقع على الأرض هامداً كالثوب، واصفر لونه وابيضت شفتاه وبردت أعضاؤه وانقطع نفَسه، فضج القوم إلى الله تعالى وتوسلوا إليه بجاه سيّدنا النّبهان رضي الله عنه أن يعيد إليه الحياة .. فعادت! واستوى قائماً، وطلب إلقاء نظرة أخرى فمنعوه(6)..
حدثنا الشيخ منير بشير حداد رحمه الله قال : يوم أن توفي سيّدنا رضي الله عنه فلت زمام صبري وأيقنت بالضياع، وسيّدنا رضي الله عنه وقتئذٍ مسجّى في النعش قبل أن يحمل فإذا به رضي الله عنه يخاطبني من النعش (لا تخف أنت معي) ! فهدّأ من روعي.
في عصر نفس اليوم ( الأحد 25/ آب ) اجتمعت الوفود من سوريّا وخارجها حتى ضاقت بهم الكلتاوية فكان التشييع، وأثناءه نـزل مطر خفيف ابتلّ منه وجه الأرض ولم يكن غيم في السماء(7) ففُسِّرَ ببكاء السماء عليه(8).
وحاول المشيعون إدخال النعش إلى الغرفة من شباكها، فتراجع مرتين فنادى منادٍ (وأتوا البيوت من أبوابها) [البقرة 189] فأدخلوه من بابها القبلي.
* * * * * * * * * * * * * * * *
(1) وبعد ست سنوات من وفاته رضي الله عنه وفي شهر رمضان من سنة 1401هـ 1980م زارنا في الفلوجة بالعراق الشيخ منير بشير حداد رحمه الله وبصحبته السيّدة رشيدة ( زوجته ) وولده محمّد رحمهم الله تعالى، وأقاموا تسعة عشر يوماً، فسألته عن صحة الرواية التي سمعتها، فسأل أم محمّد، فأجابت بأنهّا حقيقة كما رويت.
(2) أحد أصحاب سيّدنا رضي الله عنه الصادقين، وهو من أصل تركي، رحمه الله تعالى.
(3) هو السيّد عادل بن سعود بن خليل آل قزان من ذرّية سيّدنا موسى الكاظم من السلالة الحسينية المطهّرة ، ولد سنة 1939م ، في مدينة (عانة)بالعراق ، وأكمل فيها الابتدائية والمتوسطة ، ثمَّ واصل الاعدادية في صناعة بغداد ، ومنها عرّج الى المانيا الغربية ، وتخرج فيها مدّرساً مهنياً وفي سنة 1966م رجع الى العراق وشغل التدريس في اكثر مدارسه ، ثمّ انتقل لمثل وظيفته الى مسقط رأسه وكانت آخر محطات تنقلّه مدينة الفلوجة ، وفيها ترك عمله الوظيفي ، ليشتغل حرّاً باختصاصه ، ويأكل من قوت يده ، وكما حدّثنا عن نفسه انه نشأ في اسرة متدّينة ، فوالده صالح كادح ، ينسج الأردية الصوفية ليبيعها ( بين الموصل، وحلب ) وكلا أبويه يتميزان بفطرة سليمة ومحبة للصالحين ، فتعهدا تربيته على الدلال ولقمة الحلال وحباه الله تعالى بأخلاق وجمال ، فهو محبوب بين اقرانه واخوانه ، ومحفوظ من صغره ، ومحظوظ بنور في وجهه وفصاحة في لسانه ، يتمنى كل من رأه أو خالطه أن يكون هذا صديقاً له أو مصاحباً ، وذلك لما يبدو عليه من عفة وبراءة ، وصدق ووضاءة ، وعلى هذا أمضى مقتبل عمره وشبابه ، ولم يطرأ تغير في المانيا فترة غيابه ، ومع اخلاصه في عمله وصدقه في مهنته فقد ولع بمطالعة الكتب عامة ، فاجتذبته سيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام ، وكتب الصوفية الاعلام ، فتعلّقت ذاته بالشخصية المحمّدية ، وكمالات اهل الله ،ومن هنا اصبح يستشعر حاله كغريق في بحر يستنجد ، وتائه في صحراء يسترشد يقلّب افكاره بين الحين والحين ، لعلّه يحضى بنَفس الحياة وسفينة النجاة ، التي ترسو به الى بر الامان ، حتى ظهر واشتهر اسم السيّد النّبهان رضي الله عنه ... فشدّ اليه رحله سنة 1969م فما أن وصل الكلتاوية وأبصر بل وامعن في تلك الشخصية حدثّته نفسه : أ هذا الذي كنتَ تبحث عنه وتتفكر ، وحتى اذا جلس بين يديه فاجأه رضي الله عنه : ( قل لي فقط : اين رأيتك !؟) .. وبادره ثانية قبل ان يجيبه : ( انا جئت بك من المانيا !!) ... وبتلك الكلمات حدثت النقلة من حال الى حال ، ومن دهشة ، بل من حياة الى حياة ، وشعر فيها – لأول مرة في حياته – أن العناية الالهية تحفّ به وترعاه قبل ان تطأ أرض الشهباء قدماه ... وقد سافر الشيخ عادل الى حلب تسع مرّات خمساً منها قل انتقاله ، وحضر وفاته رضي الله عنه وتركت فيه تلك الصحبة المباركة آثاراً فتح الله عليه بإلهمات كثيرة وفهوم وأذواق غزيرة ، وأفاض عليه في الظاهر والباطن ، ما لا يخفى على جالسه ومخالطه ومستمع الى احاديثه ، وهو ينثر درراً كاللآلي ، يشحن بها الهمم ، فلا يمل كلامه ، فهو معروف بصلاحه ، يقصده من ضعف قلبه وهزلت روحانيته ليعالج بكلمات مرشده وعباراته ما طرأ من برود وفتور وخواء ، فلا ينهض جليسه الا وقد ارتشف الدواء وملأ الوعاء ، (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) [الجمعة:4] ولقد عبّر عن نفسه فأحسن ، بما تفضلّ عليه الله تعالى وتمنّن ، فقال :