الصفحة الرئيسية ا سجل الزوار ا من نحن ا اتصل بنا
   ||    درر من كلام السيد النبهان رضي الله عنه حول ليلة القدر   ||   جديد المقاطع الصوتية في رمضان   ||   
في منظور المعاصرين
إشراقات البداية
فجر دعوته وطريقته
رجل المواقف والكمالات
أسفاره ورحلاته
العمل والكسب
إطلالات النهاية
تراجم أتباعه ومحبيه
أضف بريدك الإلكتروني
ليصلك كل جديد في الموقع


  
      السيد النبهان  >   إطلالات النهاية

وفاة السيد النبهان رضي الله عنه (بقلم حفيده: د. محمد فاروق النبهان )


تعليق إرسال طباعة
 

وفاة الشيخ

اشتهر الشيخ بقوة بنيته وسلامة صحته، فلم يكن يشكو من مرض، وقلما كان يصاب بصداع أو زكام أو آلام، ولم يكن يألف حياة اـرض والاستسلام له.
كان يحب رياضة المشي، ويخرج إلى المزارع لكي يمشي في دروبها، ولم تكن ملامح الشيخوخة تظهر عليه، كان يقاومها بقوة إرادته وبنشاطه الدائم، ولم يتوقف نشاطه اليومي في الكلتاويّة في الصباح والمساء، وكان يستقبل زواره وإخوانه، ويتناول طعامه معهم في الكلتاويّة عند الضحى وبعد العصر، ويشاركه في الطعام كل من كان في مجلسه.


بزوغ ملامح الإرهاق في السنوات الأخيرة:

في السنتين الأخيرتين من حياته بدأت ملامح الإرهاق تظهر عليه، بسبب مرض السكر الذي كان يشكو من أعراضه، وأهم أعراضه الانفعال، ولم يكن من عادته الانفعال والغضب، كان يكظم غيظه ويغلب عليه الحلم، وكان هادىء العبارة، صبوراً في المواقف الصعبة.
ولابدَ أن أحداث «قرية التويم» قد أزعجته، ولكنه لم يكن يتحدث عنها، وكنت في كل مساء أعود معه من الكلتاويّة إلى داره، أو أزوره بعد عودته إلى الدار، أو أراه في فترة الظهيرة في غرفته أثناء القيلولة.

كنت أحدثه في كل شيء، وأحياناً أداعبه بكلمات محببة إليه، فيأنس بذلك، وكنت أحمل معي مجموعة من المطالب، لبعض أفراد أسرته أو لبعض إخوانه، التمس منه أن يأذن لهم بها، فكان يقول لي بتحبب وود، إذا اقتنعت بهذا فلاباس به.. ولم يكن أحد يناقشه في أمر، لا لأنهم يخافون منه، ولكنهم كانوا يحترمون ما يقول.. وإذا اقتنع بأمر فسرعان ما كان يأخذ به.
عندما أعود إلى حلب من السفر كنت أزوره مباشرة فيفرح بقدومي ويعود إلى الدار في وقت مبكر عند الظهر والمساء لكي يسألني عن أحوالي ويطمئن عن أسرتي، وإذا رأى زوجتي أجلسها إلى جانبه وأكرمها وسألها عن أبيها وحدثها عن جدها الشيخ أبو النصر شيخه في السلوك، وأوصاني بها خيراً.
في كل أمسية كنت أجلس إلى جانبه على حافة الفراش الذي ينام عليه في فناء الدار العربية التي كان يسكنها، النور خافت ونسمات الليل في أمسيات الصيف تداعب الوجوه.. أحدِّثه في كل شيء ويحدثني، استفسره عن بعض الأمور ويجيبني.. ويشرح لي ما لا أعلمه من الأمور، ويستخرج من ذلك العبرة، ويختم ذلك بنصيحة أو كلمة نورانية تشعرك بسمو نظرته للأمور.
سألته يوماً في إحدى تلك الأمسيات عن سر ما وقع له من ابتلاءات فقال لي:

هذا امتحان لكم وليس لي، فأنا راض بقضاء ربي واختياره، يا ولدي: لقد وجدت الخير كله في الابتلاء، فالابتلاء يشعرني بعبديتي لله تعالى وبفقري إليه.
 

يا ولدي: أنا لا أطلب الابتلاء ولكن إذا أراده الله فأنا راض به وكيف لا أرضى بما رضي لي به حبيبي وقص عليَّ قصة سمنون المحب الذي خاطب ربه بقوله:

وليس لي في سواك حظ       فكيف ما شئت فاختبرني    
 

كنت أداعبه بكلامي فيبتسم، وأمازحه فيأنس، كان يعرف حبي له وكنت أعرف حبه لي، ولم يتدخل قط في أمر من أموري الخاصة إلا إذا استشرته فينصحني، ويوجهني بكلمات هادئة ولهجة محببة، وكنت أحياناً أفضي إليه بما يجول في خاطري فيشرح لي الأمور ويعيد إلى نفسي الأمل والرجاء.

ذكريات صيف عام 1974:
 


عدت من سفري المعتاد في بداية صيف 1974، رحبَّ بي أجمل ترحيب، كان في الكلتاويّة، عاد إلى البيت سريعاً، وكنت أرافقه، أمسكت بيده وهو ينزل درج الكلتاويّة، ولما استقر في غرفته، قال لي: حدثني عن زيارتك للمغرب.. لقد أبلغني المغاربة الذين التقيت بهم أثناء تشييع السيد المكي الكتاني بدمشق أنك كنت في المغرب، وألقيت درساً أمام الملك، وأعجب الملك به.

حدثته بالتفصيل عن تلك الزيارة وعن الدرس، قال لي:

إنني معك أينما كنت.. والأسفار لا تحجبك عني... أنا معك في شبابك كما كنت معك في طفولتك.

قلت له: أريد أن أعود إليك لكي أكون معك وفي خدمتك، أجابني بلهجة حانية ودودة دافئة:

ليس المهم أن تكون معي بجسمك وإنما المهم أن تكون معي بقلبك، والسفر ليس حجاباً، والحجاب هو إعراض القلوب..

ثم طلب مني أن آتيه بورقة فكتب:

«اللهم يسر ولا تعسر.. اللهم تمم بالخير.. يا كريم يا رحيم يا الله».

ما زلت احتفظ بهذه الورقة حتى اليوم..

في كل أمسية كنت أزوره، مشتاقاً لتلك الجلسة المسائية، فإذا تأخرت سأل عني..

كانت هناك امرأة فقيرة محجبَّة تطرق الباب بعد مغرب كل يوم، لا أحد يعرف عنها شيئاً، ولم يسألها أحد عن اسمها وسكنها، كان الشيخ يأمر أسرته بأن يعطوها طبقاً من الطعام يكفي لإطعام أسرة، كانت تأخذ الطعام وتأتي في كل مساء تحضر الطبق الفارغ وتأخذ الطبق المملوء، استمر الأمر لمدة سنوات وكان يحض أسرته على عدم سؤالها عن اسمها إذا أرادت إخفاء ذلك ويقول لهم لقد سخرنا الله لها فلا توقفوا رزقها.

وأوصاني بمتابعة طريق العلم، والعمل هو ثمرة من ثمرات العلم، والعلم لكي يعطيك ثمرته فأعطه كل ما عندك، فإن أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً.. والعلم كله محمود، لأنه يعرفك بالأشياء كما هي في حقيقتها لا في صورتها الظاهرة، والعلم الحقيقي يوصل إلى الله تعالى، وليس هناك علم مذموم، فصفة الذم تأتي من استعمال العلم في المواطن الضارة، وأهم ثمرات العلم أن تدرك أن كل ما في الوجود من خالق الوجود، وكل ما في الأكوان من حقائق تتلمّسها من خالق الأكوان، وما يراه الإنسان من وسائط ما هي إلا أسباب مسخَّرة لخدمة الإنسان، ولابد من الإيمان واليقين بأن الله تعالى مطَّلع على كل شيء ويعلم كل شيء ويسيّر الكون بحكمته وتدبيره.

وقال لي:

يا ولدي:

ازرع الخير في كل مكان، لأجلك لا لأجل الآخر، لكي يكون الخير صفة من صفاتك، فلا يليق بالإنسان أن يفعل الشر، ولو مع من أساء إليه، ولا تمنعك إساءته لك من مواصلة الإحسان إليه، والله قد تولى أمر المحسنين، وواجه حقد الحاقدين بإحسانك إليهم وتجاهل ما يصدر عنهم.

يا ولدي:

إذا أحب الله عبداً ابتلاه لا لكي يؤلمه ويحزنه ولكن لكي يوقظه من غفلته ويسمع صوت عبده وأنينه مشفوعاً بالذل والانكسار إليه جل جلاله، فيقرّبه منه ويحققه بمرتبة العبديّة لله تعالى، فمن استعز بالله ألبسه الله ثوب هيبته.

يا ولدي

ليس الزهد ألا تملك المال، وأن تعيش في فقر مذل، وإنما الزهد أن تتحرر من قبضة المال والسلطة والجاه فلا تكون عبداً لهم، بل تخرجهم من قلبك، لكي يكون الله في سرك، ولا يكون له شريك في تفكيرك.

يا ولدي:

ليست التوبة أن تترك المعاصي خوفاً من النار وإنما التوبة أن تترك المعاصي والآثام لأنك تستحي أن يراك الله تعالى في مواطن المعصية، وهو الذي أنعم عليك بكل النعم الظاهرة والباطنة.

يا ولدي:

مما يعينك على تحمل الابتلاءات والمحن أن تشعر بالأنس بالله وأن يشعرك هذا الأنس بالطمأنينة والسكون، وينبثق النور في أعماقك فيشغلك عن همومك وأحزانك.

يا ولدي:

خذ بكل الأسباب المادية لتحقيق نجاحك الذي تتطلع إليه، ولكن سلِّم أمر تدبيرك لمن هو أعلم منك بشؤون مملكته وأحوال خلقه وما يصّلحهم، وهذا هو الأدب مع الله، فلا يكون في هذا الكون إلا ما يريده الله.

كان جدي الشيخ العارف يوصيني في كل أمسية بكلمة طيبة، بحاله حيناً وبمقاله حيناً آخر، كلمات قصيرة، إشارات وإيماءات ومواقف، ولم يكن من عادته أن يأمر وينهي، وإنما يوضح ويبين ويعلم.

كنت أدرك أنه في كل كلمة يغرس في كياني غرسه، وفي كل إشارة يضيء في قلبي شعلة، كان الغرس يدفن في نفسي، لا لكي يموت، ولكن ينبت في فصل الربيع بعدما يُسقى بماء الأمطار والآبار، وتشعر الأرض بدفء الشمس ونور القمر.

وذات يوم كانت الأمسية دافئة الكلمات واللمحات والعواطف، حدثته بما يسعده، فابتسم أجمل ابتساماته، كان فرحاً مسروراً لم أشهده من قبل بمثل ما شهدته في تلك الأمسية، تذكرت طفولتي عندما أردفني خلقه على الفرس في قرية الجابرية، وعندما حملني في حمَّامات الحمَّه المعدنية بين يديه يعلمني السباحة وعدت ذلك الطفل الصغير المدلل الذي لم يغادر طفولته الأولى.

بداية المرض:

قضيت تلك الليلة في داره، أسعدني ما رأيته في ملامحه من نضارة، أحسست بسعادته وفرحه، كان في الرابعة والسبعين من عمره، لم تكن تظهر عليه ملامح الشيخوخة، عند الفجر سمعته يصلِّي الفجر، ويقرأ ـ كما اعتاد أن يفعل ـ بصوت عال، وعند شروق الشمس نام من جديد، وعندما أفاق عند الضحى دخل الحمَّأم، وتوضَّأ وعاد شاحب الوجه متعباً، أخبرتني عمتي أنَّ أرض الحمام مليئة بالدماء.. اقتربت من الشيخ وسألته عن حاله وصحته وهل يشعر بأي ألم ؟.. أجابني أنه يشعر بإرهاق وضعف، وعرفت أنَّ نزيفاً داخلياً وقع له.

استلقى على ظهره في سريره.. وأغمض عينيه لمدة دقائق، وأدركت أنَّه فقد وعيه بتأثير الدم الذي نزف منه.. وقفت أمامه أتأمَّل ملامحه.. وانهمرت من عيني دموع سخيَّة، ولمَّا أفاق ورأى ملامح وجهي وآثار الدموع في عيني أمسك بيدي برفق، وقال لي: لا تخف أنا بخير.. سأقوم الآن..

اتصلت بأحد الأطباء وأبلغته بما حدث، قال لي: لابدَّ من نقله إلى المستشفى ـ هذا نزيف داخلي.. وقد يعاوده مرة أخرى..

أقنعته بضرورة أن يذهب إلى المستشفى للاطمئنان عليه، ارتدى ملابسه، وكأنه ذاهب إلى مناسبة اجتماعية، وخرج من داره، كان طريق الكلتاويَة قد امتلأ بإخوانه الذين وقفوا على جناب الطريق، تقدموا منه وسلموا عليه، سألهم عن أحوالهم.. واطمأن عليهم، وأوصى كل واحد منهم بوصية نحو من يخصه من أسرته وأصدقائه.

أمسكت بيده وهو يهبط درجات الكلتاويّة في طريقه إلى السيارة، أفلَتَ يده من يدي قائلاً: أنا أقوى منك، هل تصارعني.. أمسكتُ بيده مرة ثانية وطوَّقته بيديَّ ومَشَينا مسافة مائتي متر تقريباً إلى أن وصلنا إلى السيارة.

جلس إلى جانب السائق كما اعتاد أن يفعل دائماً، وسارت السيارة من الكلتاويّة والبياضة مخترقة المدينة من شرقها إلى غربها، ولما مرت السيارة أمام جامع الفرقان الشهير الذي كان من أجمل الملاهي الساهرة المطلة على المدينة، قال لي: هذا هو ملهى المونتانا الذي أكرمنا الله بأن يصبح مسجداً للعبادة والطاعة، وتوقَّفت السيَّارة أمام باب المستشفى، كان هناك عشرات من المحبين قد بلغهم الخبر، ووقفوا ينتظرون قدومه، واستقبله الأطباء بكل حفاوة، وأعدوا له مكاناً لإقامته.

لم تكن صحته تنبىء عن خطر يهدد حياته.. نزيف طارىء سوف يتوقف سريعاً.. كان يحدث من حوله وكأنه في مجلس من مجالسه..
أعطوه الدم الذي فقده، واطمأنت النفوس، ولما دخلت غرفته في المساء رأيت آثار الدم على وجهه، أخبرني الطبيب أن نزيفاً جديداً في فمه بسبب انفجار شريان داخلي.

كانت ردهات المستشفى وممراته مليئة بإخوانه الذين بلغهم الخبر، فجاءوا مسرعين للاطمئنان عليه.

جاءني الحاج فوزي شمسي والحاج محمد عجم والحاج ناصر الناصر وطلبوا مني أن نتحدَّث على انفراد، ولما جلسنا قال لي الحاج فوزي شمسي: الأعمار بيد الله والأمل بالله كبير، ولكن لو كتب الله الوفاة فأين سيتم الدفن، فوجئت بما سمعت وكأنني لم أتوقع ذلك أبداً، ولابد أنهم سمعوا من الأطباء ما لم أسمع.

قلت لهم والدمعة في عيني:

سيدفن في غرفته في الكلتاويّة وفي المكان الذي كان يجلس فيه وبقيت وحدي أفكر في الأمر.

هل يمكن أن ينتقل الشيخ إلى رحاب ربه بهذه السرعة؟.

هل يمكن أن يكون الموت قريباً منّا ونحن لا نشعر به؟.

لا.. لا يمكن أن يحدث ذلك.. الموت حق.. ولكن لماذا لا يتوقعه الإنسان، ولماذا يستبعده، ولماذا لا يفكر فيه على الدوام ؟!!

وتذكرت الشيخ وهو يقول في مجالسه:
زوروا المقابر لكي تعتبروا.. وزوروا دور العجزة والمعوقين لكي تحمدوا ربكم وتشكروه.

الرحيــل:

ونام الشيخ بهدوء تلك الليلة، واطمأن الجميع إلى أن الفجر قريب، وطلع الفجر مبشراً، ومضى النصف الأول من النهار وكانت الملامح مطمئنة، سيعود الشيخ إلى بيته، وخرجت من المستشفى وأنا مطمئن، ولما عدت قبل المغرب سمعت من مأذنة جامع الفرقان المطلة على المدينة أول نداء حزين ينعي الشيخ...

دخلت المستشفى.. كان الصمت هو الكلام المعبِّر.. كانت الرؤوس مطرقة والعيون دامعة.. كانت الساعة الخامسة من مساء يوم السادس من شهر شعبان من سنة 1393 هـ.

وحمل النعش في سيارة مكشوفة.. جلست إلى جانب السائق، وجلس الحاج عمر ططري إلى جانب النعش الأخضر.. ودخلت دار الشيخ وكانت مكتظة بالنساء.. ووقف والدي ابن الشيخ الأكبر أحمد على باب الدار يستفسر، ولا يعلم ولما سألني احتضنته وأجشهت بالبكاء..

ولما رأت النساء خلف النوافذ ذلك ارتفع صوتهن بالبكاء والعويل، وعاد الشيخ إلى داره محمولاً على الأكتاف.

وارتفع صوت الشيخ أديب حسُّون من مأذنة الكلتاويّة ينعي الشيخ، وخلال دقائق امتلأت رحاب الكتاويّة بكل الطرق الموصلة إليها بمئات الإخوان الذين قضوا الليل كله في الكتاويّة، وهم لا يصدِّقون..
ما أروع القرآن وهو يذكِّر المؤمنين بالموت، إنه ملاقيكم أينما كنتم، وكيفما كنتم، وحيثما كنتم، يذهب الرجال وتبقى الأعمال.

ويأتي صوت القارىء من بعيد يتلو قوله تعالى:
{إنك ميت وإنهم ميتون, ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون}
[الزمر: 30 ـ 31].
رحل الشيخ إلى رحاب ربه بعد أن أدى الأمانة بصدق وإخلاص، كان يردد في مجالسه أنَّ الموت انتقال من عالم الكثافة إلى عالم اللطافة ورحلة العبد إلى ربه، وهي رحلة حب، والمؤمن يشتاق إلى لقاء ربه، ويجب أن يكون في جوار الله.

والذين يكرهون الموت إنما يخافون من ذنوبهم أن يحاسبوا بها عند الله، أما الذين استعدوا للموت بما اعدوه من زاد الأخرة فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

أحزان الكلتاويّـة:

وقف إخوان الشيخ في كل زاوية من زوايا الكلتاويّة ينتحبون ويبكون، إنهم لا يبكون لموت الشيخ، فالشيخ في رحاب من يحب، لم يأنس بالدنيا يوماً لكي يحزن لفراقها، ولم يتعلق بها يوماً لكي يحبها ويمسك بها، وإنما كانوا يبكون مجالس تربية وتكوين كانوا يأنسون بها، ويبكون وحدة كانت تجمعهم، وقلباً رحيماً كان يتسع لهم، وأباً حنوناً عطوفاً كان يحبهم، وكيف لا يحزنون وهم يفتقدون من كان يرعاهم ويضمهم إلى صدره ويمسح دموعهم إذا حزنوا وتألموا.

لم تفتقده أسرته الصغرى، وإنما افتقدته أسرته الكبرى الممتدة في كل الأحياء، في حلب وفي الريف وفي بغداد والفلوجه وعشرات المدن والقرى.. كلهم أحسوا باليتم والوحدة والضياع..

رحل الشيخ وبقيت ذكريات أيَّامه حيَّة في أعماق النفوس، يتناقلها إخوانه، ويلقِّنونها لأطفالهم وأحفادهم الذين لم يَرَوا الشيخ، وإنما رأوا ملامحه من خلال ما سمعوه من آبائهم وأمَّهاتهم وذويهم.

خرجت حلب تشيّع الشيخ من الكلتاويّة إلى الكلتاويّة، من غرفته التي كان يجلس فيها ويستقبل فيها إخوانه إلى غرفته التي ضمَّت جسده في أحشائها، وكأنَّه طفل تأبى أمه أن تتخلَّى عنه، فتُمسِكُ به، وتضمُّه إلى صدرها في عناق أبديَ لا يتوقَّف.

جاءت الوفود من كل مكان، تشارك في تشييع الشيخ، وتُشيد بما شاد من شواهق الأعمال وروائع الرجال، ولم يترك الشيخ كتاباً يحمل أفكاره، وإنَّما ترك رجالاً يذكُرون آثاره، ولم يترك داراً للسكن، وإنَّما ترك داراً للعلم تضيء الليل بمصابيح الدعوة والفكر والثقافة.

عاشت الكلتاويّـة ثلاثة أيام وهي غائبة عن الوعي، لا يصدِّق أحدٌ أنَّ الشيخ قد رحل إلى الرفيق الأعلى، في رحلته الأبديَّة، من عالم الكثافة إلى عالم اللطافة كما كان يسميِّه، ومن ظلام الحجب البشرية إلى عالم النور والضياء.

خلافة الشيخ:

واجتمع الإخوان كلهم والمحبون من كل مكان في اليوم الثالث عند الصباح، في الكلتاويّة، وكلهم يبكي ذلك الرمز الكبير الذي أحبوه، كانت جلسة خشوع وحزن، وجلست أمامهم أهدِّىء من روعهم، وأحاط بي الإخوان من كل جانب.

وفجأة وعلى غير توقُّع وإعداد نهض الشيخ محمد الشامي وفوجئت به وهو يأخذ الكلمة، ويتكلَّم عن وفاة الشيخ وعن الأثر الذي تركه في النفوس، ثم أخذ يتكلم عن الحفيد وعن العناية التي كان الشيخ يخصُّه بها منذ طفولته المبكِّرة، وأعلن مبايعته لحفيد الشيخ لكي يكون الرمز لاستمرار مسيرة الشيخ ونهجه، وأحضر ملابس الشيخ البيضاء التي اعتاد أن يلبسها، العمامة والجبة، وألبَسَها لذلك الحفيد الذي انهمرت دموعه بشدة، وساد ذلك اللقاء شعور عارم من المشاعر الفيّاضة، لم يكن الحفيد هناك فحسب وإنما كان الشيخ بروحه وكأنه يرعى ذلك اللقاء.

ثم انتقل الحفيد إلى دار الشيخ وكان غاصَّاً بالنساء من إخوان الشيخ، وما أن رأوا الحفيد بملابس جده وهو يدخل عليهم حتى انتابتهم مشاعر فيَّاضة من التأثر والخشوع والبكاء..
مرَّ ذلك الصباح وكأنه وميض يريق أضاء الكون من حوله وأنار ظلمات ذلك الفضاء الفسيح، ثم توقَّف وغاب، وترك أثره في النفوس أملاً ونوراً.
وما زال السراج مضيئاً بفضل ذلك الزيت الذي ينبع من أعماق ذلك السراج، فتزداد شعلته مع مرور الأيام توهُّجاً تضيء ما حولها وتنير، وتنشر الدفء في القلوب، وكأنها فجر يتجدَّد كل صباح ويبشِّر بيوم جديد.

لم يكن من اليسير على أي أحد أن يَخلُفَ الشيخ رحمه الله، فقد كان متميزاً بخصوصيات فريدة، كان قمة في خصاله الأخلاقية، ولا يمكن لأحد أن يجلس في مكانه، فقد كانت المهمة شاقَّة وعسيرة، ولها ثمن غال من التضحيات والاستعداد للعطاء المتواصل، ولابدَّ أولاً من التغلُّب على كل النزعات الفردية والتحرر من كل الغرائز الأنانية ونسيان الذات لأجل الآخرين.

الذين يظنون أنَّ المهمة يسيرة مخطئون، والذين يحسبون الأمر متعة وجاهاً جاهلون، فليست المشيخة زعامة ولا جاهاً، وإنما هي رسالة وتضحية، فمن أرادها فعليه أن يستعد لها بكل طاقته ووجهته وأن يتخلق أولاً بأخلاقها، وأن يكون مستعداً للتضحية بكل شيء في سبيلها.

لقد اختار الشيخ هذا الطريق، وشرح الله صدره له، واستعدَّ له، وأدَّى الأمانة، وكان المثل الأعلى الذي يُحتذى به، لم يتكلف هذا الطريق، ولم يختره بنفسه، وإنما شرح الله صدره له، وهيأ له من أسبابه ما يجعله قادراً على هذه المسؤولية، فالدعوة ليست كلمة تقال، وليست نصيحة توجه وليست كتاباً يؤلف، وليست خطبة تلقى، وإنما هي حال لابدَّ له من الصدق مع الله والتحرر من كل الارتباطات الدنيوية، والزهد في كل الأشياء المرغوبة لدى النفس، وهذه حال لا تنال بالرغبة النفسية، ولا بتكلف هذا الطريق، وإنما تنال بما يلقيه الله تعالى في قلوب أوليائه وأحبائه من نور يضيء دروبهم، ويحررهم من الغرائز الفطرية، ويشدهم إلى محبة الله ويدفعهم إلى معرفته.

الضريح:

دفن الشيخ في غرفته التي كان يقيم بها، وأقيم له ضريح مهيب في المكان الذي كان يجلس فيه، لم يتغير شيء، رحل الشيخ وبقيت كلماته ومجالسه كما كانت في أيام حياته، إذ لم تتوقف المجالس والمذاكرات، لا بقي الرمز كما كان وسيبقى بإذن الله.

كان الشيخ يتحدث دائماً عن الموت، إنه رحلة من عالم الكثافة إلى عالم اللطافة.. رحلة أبدية ضرورية حتمية، والمؤمن لا يخاف من هذه الرحلة، ليست هي نهاية، وإنما هي استمرار، والمؤمن لا يخاف من الموت لأنه استعد لهذه الرحلة، أما الذين يخافون من الموت فإنما يخافون من تقصيرهم أن يلاقوا ربهم وهم غافلون عنه، ولعلّ من حق هؤلاء أن يخافوا وأن يرتجفوا من لقاء الموت.

الغافل عن الموت يؤلمه ذكر الموت ويخيفه، لأنه متعلق بالدنيا، أما من استعد للموت فلا يخيفه ذكره، لأنه سيلاقي الإنسان في يوم ما في ليل أو نهار، في سفر أو حضر، فلا مجال للفرار منه.
فالأحياء يحزنون لأنهم يجدون أنفسهم في ضياع بعد انطفاء السراج الذي كان يضيء دروبهم، والأطفال يحزنون إذا غاب أبوهم أو أمَّهم، والمريدون يحزنون إذا غاب مرشدهم، لأنهم يفتقدون دفء كلماته التي تمنحهم الطمأنينة والسعادة.

واليوم.. يستقبل ضريحه في كل صباح ومساء العشرات ممن عرفوه وأحبوه، سواء عرفوه بطريقة مباشرة واجتمعوا به أو عرفوه من خلال آثاره، يشعرون بالأنس وهم يزورونه، فهذه الزيارة تريحهم، ولا نجد في زيارة الشيخ تلك السلوكيات الخاطئة التي لا يقرها الشيخ، فقد كان قدس الله سره يدعوهم إلى التزام الأدب في زيارة الصالحين، ولا شيء غير الأدب، فالأدب يمنع الزائر من المخالفات الشرعية، ويطوقه بسياج من الاحترام والوقار، فلا زيوت تضاء في الأضرحة، ولا تقام فيها طقوس خاطئة، ولا تنصب فيها حلقات للشطحات المذمومة، كل ذلك كان الشيخ يكرهه ويحذِّر منه، لكي لا تكون زيارة أضرحة الصالحين مطية لعبث العابثين وانحراف الجاهلين.

وحافظ ضريح الشيخ رحمه الله على نظافته الظاهرة وطهارته الباطنة كما كان يحب أن تكون مجالسه في حياته، والقيّمون على أمر الضريح مدعوون في كل وقت للحفاظ على تعاليم الشيخ الذي كان يرفض أن تقام الطقوس الخاطئة في الكلتاويّة، وأن يكون الالتزام بكل تعاليم الشريعة وأحكامها وآدابها.

وضريح الشيخ ليس مكاناً لالتماس الحاجات لإشباع رغبات دنيوية، وإنما هو رمز للوفاء لشخصية صوفية إسلامية متميزة بأخلاقياتها، أغنت عصرها بما أضاقت إلى صورة الإسلام من ضرورة الاهتمام بآدابه وروحانيته وأخلاقياته التي تجعل التواصل بين الفكر والسلوك أمراً مطلوباً، لتجسيد القيم المبادىء والمثل العليا.

والأجيال اللاحقة في وفائها لرموز الإصلاح والجهاد والفكر والتقوى لا تتعلق برُفاة الراحلين ولا بأجسادهم وإنما تتعلق بما تركوه في الذاكرة من آثار وبما خلَّفوه بعدهم في القلوب من محبة، ذلك هو التراث الباقي الذي لا يندثر مع مرور الأيام، بل يزيد إشراقاً وبهاءً هذا ما تبحث عنه الأجيال اللاحقة في سعيها للبحث عن مصادر ثقافتها وينابيع المياه التي تمد الأرض العطشى بأسباب الحياة لكي تنمو أغصان الخير في أعماق الذات الإنسانية.

ويقع الضريح في وسط الكلتاويّة، ويطل من جهته الشرقية على الساحة الأمامية للمسجد التي تؤدي إلى الباب الخارجي ويطل من جهته الغربية على الساحة الواسعة التي تطل على المدينة القديمة، ويطل من جهته الجنوبية على المسجد والمدرسة الشرعية التي تقع خف المسجد وتمتمد أمامها الساحة الأمامية للمدرسة، ويتوسط الضريح كل ذلك، حيث يطل على القاعة المربعة التي دفن فيها الشيخ والتي أدخلت عليها التوسعة من جهة الجنوب، وقد يطلق لفظ الضريح على القبر المرمري الذي يقع في صدر القاعة من جهة الشمال، وللضريح بابان: الأول من جهة الشرق ويقود إلى الساحة الخلفية والباب الثاني يقود إلى المسجد كما يؤدي إلى الساحة الجنوبية التي تشرف على المدرسة.

ويوجد داخل قاعة الضريح حمَّام خاص مغلق، كان الشيخ يستخدمه في حياته وتقع المئذنة خلف الضريح مباشرة، وتوجد في خزانات القاعة بعض كتب الشيخ وبعض ملابسه الخارجية.
وهناك أيام خاصَّة لزيارة النساء، وهي الأيام التي كان الشيخ يلقي فيها دروسه عليهن، ويحرص إخوان الشيخ من النساء على حضور مناسبة الزيارة، وسماع دروسه المسجَّلة، ولم تتوقَّف هذه الدروس سواء للرجال أو للنساء.
وما زالت في قاعة الضريح اللوحات التي كانت موجودة في حياة الشيخ، وبقي وكل شيء كما كان في حياته.
ويحرص إخوان الشيخ على زيارة الضريح بعد صلاة الجمعة في كل أسبوع، وفي المناسبات والأعياد، ويلتزمون جميعاً بآداب الزيارة، كما جاء في الشريعة، فلا يفعلون ما يخالف الشريعة، سواء فيما يقولون أو فيما يسلكون
 

 

التعليقات على الموضوع

تعليق إرسال طباعة
 
 
 الإسم: السهروردي       التاريخ: 2009-8-14
 

بسم الله الرحمن الرحيم سيرة عطرة، ينفح منها كل شيئ طيب منذ نشأته والى وفاته رحمه الله، لم يكتب لي رؤيته فقد كنت طفلاً وقتها ولكن عند قرائتي لما كتب هنا احسست كأني معه، أمشي على الدرب الذي سار عليه رحمه الله .

 
 الإسم: أمين       التاريخ: 2009-10-1
 

إن العين لتدمع وإن القلب ليوجع ولانقول مايغضب الله .إنا على فراقك ياسيدي لمحزونن

 
 الإسم: محب       التاريخ: 2009-11-28
 

والله ما عرفت سيدي النبهان من قبل إنما بالفطرة أحببت المكان والله كلما أذهب إلى الكلتاوية أشعر بأنني في عالم أخر والله الكثير من الأمور رب العالمين يسرها بعد إلتجائي لأحبابه رحمك الله ياسيدي وخير خلف لخير سلف اللهم إحشرنا معهم وتحت لواءهم إن شاء الله تكون محبتي لسيدي الشيخ خالصة

 
 الإسم: ب عبد الحميد       التاريخ: 2010-4-15
 

بسم الله الرحمن الرحيم لا أقول إلا ما قاله تعالى عنهم أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون لهم البشرى في الدنيا و الآخرة بأن لهم الجنة. لماذا؟ لأنهم آمنوا و كانوا يتقون اللهم أفض علينا من بركات ذلك الوارث المحمدي و صلي وسلم على نبيك محمد بن عبد الله و على آله وصحبه و سلم

 
 
الإنتقال السريع 
جميع الحقوق محفوظة لموقع السيد النبهان © 2007 - 2010